فعل القراءة -في ظاهره- فعل فرديٌّ، يتفاعل فيه القارئ مع الكتاب الذي بين يديه، ولكنه في حقيقة الأمر نشاط تعليمي وثقافي واجتماعي، وجسر حضاريّ وفكريّ، تمتدّ جذوره عميقاً، لتُمكّنه من الاطّلاع على ما أنتجه العقل البشري عبر العصور. هو انفتاح على الآخر المشابه والمختلف، وتواصُل باللغة وعبر إمكانياتها، وحث على التفكير والإبداع والخيال. ومن هذا المنطلق كان حرص دولة الإمارات العربية المتحدة على تعزيز هذا السّلوك المعرفيّ في نفوس الناشئة والأطفال، وأفراد المجتمع عامة، فوُضِعت من أجله الاستراتيجيّات الواضحة، وأُطلِقت المبادرات التي تدعمه، لتكون القراءة سلوكاً لأفراد المجتمع، ولذا لم يكن من المستغرَب إعلان عام 2016 عاماً للقراءة في دولة الإمارات، فغدا انطلاقة نوراً ومنارة إشعاع للعديد من المبادرات الوطنية التي تهدف إلى تنمية الإنسان والمجتمع.

وفي يوم إعلان بطلة مسابقة تحدِّي القراءة العربي في دورته التاسعة على مستوى دولة الإمارات قبل أيام قليلة، عبّر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، عن سعادته بهذا الاحتفاء السّنوي، عبر تدوينة على حسابه في منصة «إكس»، قائلاً: «سعيد بإقبال الجيل الجديد على القراءة، ومطمئن على مستقبل بلادنا في أيدي جيل يحبُّ التّعلم، ويعشق القراءة». وفي حفل تكريم أبطال الوطن في القراءة أكد سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية، رئيس مجلس التعليم والتنمية البشرية والمجتمع، أهمية القراءة بكلماته النيِّرة قائلاً: «القراءة هي منبع جوهريٌّ لبناء الإنسان، وعبرها تنشأ أجيال مُحبة للعلم والمعرفة، متمسكة بلغتها وهويّتها، ومؤهّلة بأفضل طريقة لصناعة مستقبل مشرق». نجومُ قراءةٍ، وأبطالُ معرفةٍ، تسعدُ برؤيتهم القلوب، وتبتهجُ بفوزهم النُّفوس، تَعرّفنا إليهم من خلال أكبر مشروع قرائي معرفي عربي، يعيش أفراحَه الطّلابُ وأهلهم ومعلموهم سنوياً على مستوى الوطن العربي والعالم، وذلك منذ انطلاقته بتوجيهات سديدة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في العام الدّراسي 2015/ 2016، إذ يقوم هذا المشروع على رؤية تؤمن بأنه لا حضارة ولا تقدّم للمجتمعات من دون نور المعرفة والعلم، وأن «غرس حبِّ القراءة في نفوس الصّغار هو غرس لأسس التقدّم والتّفوّق لبلداننا»، كما يؤكِّد سموُّه دائماً. ونظراً إلى أن الاستثمار الحقيقي في المجتمعات المتقدّمة لا يكون إلا في الإنسان، ومن أجل الإنسان، جاء إطلاق الاستراتيجيّة الوطنيّة للقراءة 2016-2026، التي تهدف إلى رفع نسبة عادة القراءة إلى 80 في المئة من الطّلبة، و50 في المئة من البالغين، وكذلك إلى رفع المحتوى الوطني ليصل إلى 4000 كتاب في عام 2026، وتخصيص شهر مارس من كلِّ عام شهراً وطنيّاً للقراءة.

وتبع ذلك إطلاق «القانون الوطنيّ للقراءة»، وهو أوّل قانون من نوعه للقراءة، يضع أطراً تشريعيّة وبرامج ومبادرات حكوميّة لترسيخ قيمة القراءة في المجتمع بشكل مستدام. وبمثل هذا التخطيط الاستراتيجيّ الوطنيّ، وهذه المبادرات المحليّة والدّوليّة تستعدّ دولة الإمارات لمستقبلها المشرق، وتسعى إلى خلق حراك معرفيّ وثقافيّ، وإعداد أجيال واعية بأهميّة الآداب والمعرفة والعلوم، مرتبطة بلغتها وهويّتها، مطّلعة على الثقافات الأخرى، لتسهم بجدارة وفاعلية في بناء مستقبل وطنها الغالي.

*أستاذ مشارك في الأدب والنقد الحديث في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة الشارقة.